2013/05/03

رؤية الإصلاح حول هوية الدولة اليمنية

هوية الدولة اليمنية "رؤية الإصلاح "

لكل دولة هويتها التي تعبر عن الانتماء التاريخي والحضاري  لشعبها ، وتجسد خصائصه ومقوماته التي يقوم بها وجوده ، وتتحدد من خلا لها حقيقته التي تميزه عن غيره .

 وعندما نتحدث عن هوية الدولة اليمنية إنما نتحدث عن خصائص المجتمع اليمني ومقوماته ونسيج خصوصيته التي تشكلت عبر آلاف من السنين ، وتبلورت في فضاء الثقافة الاسلامية أبعادها الفكرية ، والأخلاقية ، والتنظيمية ، مشكلة حياته المشتركة في مختلف المجالات الحضارية تاريخاً وجغرافيةً وديناً ولغة.

- أسس الهوية اليمنية

   وبعيداً عن المواقف السياسية لهذا الطرف أو ذاك التي تعكس نفسها هنا أو هناك لا أحد يستطيع أن ينكر التاريخ المشترك الذي عاشه أبناء اليمن منذ آلاف السنين على الرقعة الجغرافية الواحدة التي عرفت باسمها التاريخي (اليمن).

  إن الشعب اليمني جزء لا يتجزأ من الأمة العربية أولا والأمة الاسلامية ثانيا والمجتمع الانساني ثالثا ، هذه هي دوائر انتمائنا التي تشكل الأساس المتين لهويتنا العربية والإسلامية والانسانية.

ونحن على يقين من أن الهوية العربية والاسلامية للدولة ، قضية غير خلافية ؛ سواء في أروقة مؤتمر الحوار الوطني أو خارجه، ذلك أن أبناء الشعب اليمني جميعهم عرب ومسلمون.

   إسلامية الدولة لا ينافي مدنيتها

إن الهوية الاسلامية للدولة واعتماد الشريعة الإسلامية مصدراً لتشريعاتها لا يتعارض البتة مع تأسيس دولة مدنية ديمقراطية عادلة ورشيدة، لأن الدولة الإسلامية- من خلال واقعها التاريخي والفقهي–لم تكن إلا دولة مدنية، ولا تمت بصلة للدولة الدينية الكهنوتية حسبما قد يظن البعض بحسن نية أو بسوء نية .

 فالإسلام ــ وبعيدا عما شاب التطبيق العملي ــ قد نزع أي قداسة عن الحاكمين ، وجعل خضوعهم للمساءلة والمحاسبة فرضا مفروضا، وهو يعتبر الشورى والعدل والمساواة وعدم تقديس الأفراد مهما كانوا أسساً من أسس الدولة والحكم الرشيد  ويرفع من قيمة الاجتهاد المستوعب لكافة المستجدات والمتغيرات التي تحقق المصالح العامة والخاصة للمجتمع .

- نماذج على مدنية الدولة الإسلامية

كل ذلك يدعونا للقول بان علينا ونحن نتحدث عن الدولة المدنية عدم التحسس من اقترانها بالمرجعية الإسلامية، وذلك لكون الدولة الإسلامية لم تعرف نظام الحكم الديني الكهنوتي الذي شهدته أوربا في عصرها الوسيط، ويكفي للتدليل على ذلك بضرب أمثلة من عصرالخلفاء الراشدين، الذين قدموا انفسهم للأمة، وكذلك تعاملت الأمة معهم، بصفتهم بشر عاديين، يجتهدون: يصيبون ويخطئون، ومن حق الأمة محاسبتهم على أخطائهم.

فهذا أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) يقول "أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم"، بينما يقول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) "لو رأيتم فيّ اعوجاجاً فقوموني" ، أما على بن أبي طالب (رضي عنه) فيقدم نموذجاً عملياً للمساواة مع أحد رعايا دولته من غير المسلمين، في عملية لم نسمع أن التاريخ قد شهد لها مثيلاً حتى يوم الناس هذا، حيث أحتكم إلى القاضي مع يهودي خاصمه على درعه، ونزل إلى الأرض ليجلس إلى جانب اليهودي أمام القاضي، وطلب من القاضي أن يناديه باسمه مجرداً من الكنية والألقاب مساواة له بخصمه، وصدر الحكم في القضية لليهودي رغم تأكد القاضي من صدق أمير المؤمنين، لعدم وجود الأدلة ولعدم قبول شهادة ابني أمير المؤمنين لكونهما من أهله.

خلاصة القول: إن شعبنا اليمني يتطلع إلى دولة يشاد بنيانها على الديمقراطية واللامركزية ، دولة يسود فيها القانون وتتحقق المواطنة المتساوية ، وما هو مطلوب منا في الحوار الوطني أن نجسد تلك التطلعات والمطالب الشعبية وأن لا نتعامل مع بعض المصطلحات ومنها مصطلح الدولة المدنية بعقلية سجالية ، أو نتعاطى معها كقالب إسمنتي ، ويتحتم على المثقفين والمنظرين السياسيين وهم يسوِقون لهذه المصطلحات في مجتمعاتهم أن يقدموا بصحبتها الآليات التي تكيفها مع واقع مجتمعاتهم، فلا يمكننا أن نغفل أبداً بأن لكل مجتمع خصوصياته التي تميزه عن غيره من المجتمعات؛ متمثلة بعقيدته الدينية وهويته الاجتماعية وتراثه الحضاري وموروثه الثقافي.

إن إغفال ذلك يعتبر مصادمة وتحدياً سافراً لمشاعر المجتمع المتمسك بدينه والملتزم بشريعته جيلاً بعد جيل .

التركيز على المضامين بدلاً من المصطلحات

علينا عدم التوقف كثيراً عند المسميات والمصطلحات ونتجه بصورة مباشرة نحو المضامين العملية لدولة ديمقراطية شوروية عصرية متطورة، تسودها قيم المحبة والإخاء والعدالة والمساواة، دولة تعتمد المؤسسية في عملها، وتؤمن السم والتكافل الاجتماعي والكرامة الإنسانية لمختلف أبنا شعبها، دولة توفر لأبنائها الحرية الهادفة بعيداً عن الجمود أو الانفلات، حتى تمكنهم من تسخير طاقاتهم الإبداعية لبناء مستقبل زاهر ومشرق لهم ولوطنهم .

إذاً العبرة ليست في المسميات والمصطلحات، لكنها في النصوص الدستورية والقانونية التي سيتوافق عليها الجميع لما فيه مصلحة الجميع. فلندع سجال المصطلحات جانبا ونتوافق على المضامين ما دمنا سنؤسس لنظام سياسي يمتلك فيه المواطن حق انتخاب حكامه، عن طريق صندوق الاقتراع الحر والنزيه، ويمتلك حق مراقبتهم ومحاسبتهم، وحق سحب الثقة منهم.

إن ديننا الإسلامي دين يعلي من قيم الاجتهاد والحرية والشورى ويحرر العقل من الخرافة ويحترم الفكر والإبداع ، ويوم فهمه أجدادنا كذلك تمكنوا من بناء حضارة مشرقة سادت العالم في زمنها، بينما كانت أوروبا تغط في عصورها المظلمة، ويوم تخلينا عن تلك الروح الوثابة للإسلام هوينا إلى هوة سحيقة من التخلف والجهل.

ما سبق يحتم على كافة الأطياف الاجتماعية والسياسية في اليمن التوافق على عدم المساس بالمواد الثلاث الأولى للدستور اليمني الحالي، والتي تؤكد على هوية اليمن العربية الإسلامية لأنه لا مصلحة لأي طرف في المساس بهذه الثوابت ونصها كما يلي:-

(1)الجمهورية اليمنية دولة عربية إسلامية مستقلة ذات سيادة ، وهي وحدة لا تتجزأ ولا يجوز التنازل عن أي جزء منها، والشعب اليمني جزء من الأمة العربية والإسلامية .

(2) الإسلام دين الدولة ، واللغة العربية لغتها الرسمية.

(3) الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات .

   وعلينا أن نركز ونحن نضع مبادئ وأسس دستورنا الجديد في اليمن على تقديم حلول للأسباب التي أنتجت المشاكل التي نعاني منها بعيداً عن مظاهرها التي تفرعت عنها، فالقضاء على سبب كل مشكلة سيجعل مظاهرها تختفي بصورة تلقائية، والواقع اليمني يقول لنا بأن المادة (3) في الدستور الحالي لم تكن سبباً لإنتاج أي مشكلة من تلك المشاكل حتى نطالب بتغييرها.

فوجود المادة (3) في الدستور اليمني لم يشكل عائقا تشريعيا تجاه معالجة مختلف القضايا المعاصرة، فالشريعة الإسلامية قد فتحت باب الاجتهاد على مصراعيه في القضايا التي ليس فيها نصوص من الكتاب والسنة.

إن استمداد النظام القانوني في مجتمعنا اليمني من الإسلام كقانون أعلى تجذر في المجتمع واستقر في وجدانه فصار فيه الأساس الوحيد للشرعية والمقياس المعتبر للمشروعية الصادرة عنه ، سوف  يوفر الظروف الأكثر ملاءمة لتحقيق مبدأ سيادة القانون ، فالقانون كأداة اجتهادية مرنة للضبط الاجتماعي لا يكون له القبول والاحترام إلا بقدر اتساق أحكامه الجزئية مع مبادئ وقواعد القانون الأعلى في المجتمع فيتسق وينسجم مع ما ترسخ في ضمير الأمة ووجدانها من مبادئ وقواعد وقيم  فيمتلك بالتالي أهلية السيادة ووجوبها عند التطبيق ، بحيث يخضع له وينزل عنده حكمه جميع الأفراد بصرف النظر عن المكانة التي يحتلونها اجتماعياً  أو المركز الوظيفي الذي يشغلونه سياسياً أو إدارياً ، كما تخضع له سلطات الدولة بمختلف مستوياتها وكذا الأعمال الصادرة عن مؤسساتها وأجهزتها ، فتتحقق بالتالي دولة النظام والقانون.

إقرأ ايضا:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق